مقالاتٌ

لا تَزالُ تُسْعَدُ بالأحِبَّةِ

لا تَزالُ تُسْعَدُ بالأحِبَّةِ

يُكرِمُنا اللهُ دومًا بجماليات الحياة، ويُتحفنا مواهبَ المحبة، فيُجَدِّدَ لنا مع الأحبة لقاءاتٍ لَم تكنْ مرسومةً في خريطة الوقت، ولا في برنامج الحياة؛ حيثُ انقطاعُ الوَصْلِ، وتَصَرُّمُ حِبالِ القُرْبِ، لكنَّه يأتي بها، وهو اللطيفُ الخبيرُ، سبحانه وتعالى.
في هذا العام الحالي حدَثَت مناسباتٌ تجمعُ الكثيرَ من الناس، وكُلَّ متوَقَّعٍ منهم، إلا بعضًا من الأحبة الذين لم يندرجوا تحت ظِلالِ هذا التوقُّع، لأنَّ العقلَ الإنساني يسيرُ في طريقٍ من التفكيرِ محدودٍ، لا يتجاوزه ولا يرتقي عنه، بل هو محصورٌ في حدوده.
هاتِهِ المناسباتُ أرى فيها الغادي والرائح، العابرَ والغابرَ، القريبَ والبعيد، لكنْ أن يخطُرَ في بالي أن أرى صاحبَ القِدَمِ فهذا هو المستحيل الثامن، مضمومًا لتلك المستحيلاتِ، وليسَ غريبًا هذا، لأني صاحِبَ القِدَم، ورفيقَ الزمان الأول، هو الأصيلُ، والأصيل ليس كالدخيل، فلا يخطرُ بالبالِ، إنما يخطُرُ به البالُ، ويخطُرُ له.
اثنانِ من الأصحابِ لقيتهما في مناسبَتَيْ زواجٍ، في قاعةٍ واحدة، عهدي بأحدهما خمس وعشرون سنة، وبالآخَرِ -وهو آخرهما لقاءً-عهدي به من ثلاثين سنة، لا تسَلْ عن تلك المشاعر التي غَمَرَتْ قلوبًا بالحبِّ عُمِرَتْ، ولا تَسَلْ عن لحظةٍ تلاشَتْ فيها تلك السنون الطويلة وكأنها غَدَت البارحة، كأننا لم نكن قد قَطَعَ بنا الزمانُ، أو أخْفَتْنَا الأيام، حتى لو كُنَّا في عِدادِ الموتى لما كان لأحدٍ منا أن يعلَمَ عن صاحبِهِ.
لحظة اللقاء المعمورة بصدمةِ الصُّدْفَةِ، لحظة الدهشة المغمورة بالبهجة، لحظة تستعصي على الوصف، حتى يكاد الوصفُ أن يعتذِرَ عن مهمته البيانية، لأننا نعيشُ لحظة فوقها. تلك اللحظة التي طَوَتِ الأيام، بل السنوات، بل ثلاثة عقود من الزمانِ، طُوِيَتْ في لُحَيْظَةِ لُحَيْظَةٍ.
إنَّنا نَسْعَدُ بالأحبة، أحبةِ الزمان القديم، الزمان الذي لم يبقَ منه غيرأصحابِهِ الأُصَلَاء، الأصحاب الذين لن يُكرِّرَهم الزمانُ، وإنني أقولُ ما قالَ الشاعرُ، مع التحريفِ ,التصريفِ لقولِهِ، ولكنَّ للحبيبِ صَولةٌ على شِعْرِ غيرِهِ، وهل الشِّعْرُ إلا مكسورًا لأجل الحبيبِ الأريبِ:

أولَئِكَ أَحْبَابِيْ فَجِئني بِمِثلِهِمُ | إِذا جَمَعَتنا يا حبيبُ المَجامِعُ

إنَّ اللهَ تعالى كريمٌ مِعْطاءٌ، يُجَدِّدُ علينا نِعَمَّهُ الجميلة القديمة، لأنَّ القديمَ نديمَ الروحِ والقلبِ.
خالصُ الشكرِ، ووافرُه لأولئك الكُمَّلِ من الرجالِ، أصحابِ الوفاءِ النادر، الذين لم يَزِدْهُمُ الزمانُ على طُوْلِ العَهْدِ إلا نقاءً وصفاءً ووفاءً، ورسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم قال: “حُسْنُ العَهْدِ مِن الإيمانِ”، وإنهم أحسنوا، وزادوا الإحسانَ حُسْنًا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى