مقالاتٌ

الدافعية والفاعلية

الدافعية والفاعلية

الإنسانُ في هذه الحياة يسير مدفوعًا بشيءٍ إلى شيءٍ، برغبةٍ أو رهبةٍ، إلى شيءٍ أو من شيء، إقبالًا وإدبارًا، كلُّ إنسانٍ مدفوعٌ إلى شيءٍ، ما دام حيًّا تسري به الحياة، وهذا الركنُ أساسٌ في كلِّ إنسانٍ نالَ حظَّه من الوجود.

لكنَّ معنًى آخرَ لإنسانِ الوجودِ يكمُنُ فيما يجعلُه في حياضِ إنسانِ الشهود، وهو رُكنُ الفاعلية، بأنْ يكون ذا أثرٍ في الحياةِ، أثرٍ صانعٍ نافعٍ، مُنتجٍ مُنجِزٍ، قائمٍ دائمٍ، لا أثرًا راكدًا جامدًا، فالحياةُ تنفي عنها كلَّ إنسانٍ هذا حالُه ودَيْدَنُه، وكلُّ إنسانٍ بما يُناسبُه.

إن العلاقةَ بين الدافعية والفاعلية علاقة سبب ونتيجة، علاقة مؤثِّرٍ ومتأثِّرٍ، علاقة تجلَّتْ في {شاهدٍ ومشهود}، ذلك أنَّ كلَّ دافعيةٍ قويةٍ لابُدَّ وأن تكون وراءَها فاعلية أقوى، تنصع الفاعليةُ أثرًاً يكونُ دافعيةً لفاعليةٍ، وهكذا في سلسلةٍ منهما.

إنَّ دوافعَ الإنسانِ هيَ أسرارُ فاعليَّتِهِ، فهوَ بينهما في تفاعُلٍ دائمٍ معَ ظواهرِ ومظاهرِ  تلك الدوافع، وذاك التفاعُلُ هو الذي يكشِفُ للإنسانِ مدى جودةِ دوافِعِه، ومدى صحتها، ومدى قيمتها في العالم.

نؤمن بكثير من المبادئِ والقِيَمِ، ونعتقدُ بها اعتقادًا جازمًا، أنها صحيحةٌ وذاتُ أثَرٍ، وأنها صالحةٌ نافعة، ولكنَّنا لا نجدُ ذلك الأثرَ والنفْعَ والصلاحَ في واقِعنا، ذلك لأننا جعلناها في إطارِ (التبرُّك) ولمْ ننتقلْ بها إلى فضاءِ (التحرُّك)، وجعلناها في ميدانِ (العلم) ولم نحوِّلها لميدان (العمل)، فبقيَتْ كأنها لم تكن، ولم نجدْ لها ثَمَرًا وأثَرًا.

في مقولةٍ منسوبة للدكتور عبدالوهاب المسيري، مفادُها أن المُثَقَّفَ يجبُ أن يكون في الشارعِ. ويقصدُ أن يكون مخالطًا الناسَ، عارفًا بأحوال المجتمع، لا أن يكون حبيسَ ثقافته، لَزيمَ مكتبِهِ، لأنه بالمخالطةِ يكونُ فاعلًا، وبالاعتزالِ يكون عاطلًا. هذا المثقَّفَ الذي قصدَه هو نموذجٌ، وينتضِمُ إليه كلُّ ذي شأنٍ يتعرَّضُ بشأنِهِ لأمور الناس، كالعالِمِ والمُفكِّرِ والأديبِ، والذي يشتغلُ في تحريرِ قضايا المجتمع واقتصادِهِ، فإذا كانَ في قوقعةٍ يُقَعْقِعُ فيها، بعيدًا عن الفاعلية، فإنه سيموتُ، والحياةُ لن تحفَلَ به إلا حرْفًا في كتابٍ، لا إنسانًا في تاريخ.

عندما تتعلَّمُ قواعدَ شيءٍ ما، في النجاح، أو إدارة العمل، أو الاقتصاد، أو العلم، فأنتَ تعاهد نفْسَكَ أنكَ تنقل ذلك إلى عالَم الفاعلية، إلى عالَمِ الفاعلية، لأنَّ الإنسانَ خليفةٌ في الحياةٌ، استخلَفَهُ اللهُ في الأرضِ ليَعْمُرَها بما مكَّنَهُ اللهُ منه، وبما هيَّأَهُ وسَخَّرَه له.

كلُّ دافعيَّةٍ وراءَها فاعلية، وكلُّ خلافةٍ وراءَها عِمارة، إذا تخلَّفَتْ الثانيةُ فالأولى هباءٌ.

فالعاليةُ هي ميدانُ إنسانِ (الشهود)، وهذا الميدانُ إذا حقَّقَهُ الإنسانُ بوجهٍ أتمَّ، على مُرادِ الله في قانونِ عمارةِ الأرضِ فإنَّ الإنسانُ يدخُلُ في ميدانِ (الخلود)، الميدانِ الذي لم ينَلْهُ من البَشَرِ إلا قِلَّةٌ مِن ثُلَّة، {والله يخلُقُ ما يشاءُ ويختارُ} و {هو أعلَمُ حيثُ يجعَلُ رِسالَتَهُ}.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى