مقالاتٌ

حقيقةُ الاهتمام بالوقت

 

في زَمَنِ ظهورِ علوم إدارة وتنمية وتطوير الذاتِ كان للوقتِ حضورًا قويًّا، فتتابَعَتِ الأُطروحاتُ للاهتمام به، لدرجة الآلية التي فقدَ الناسُ بسببها روح الوقتِ، ولذة الشعورِ بالاهتمامِ به. جاءَ على الناسِ -أو بعضهم-أنهم كانوا يُسَيِّرُون أنفسَهم بثواني الوقتِ، فضلًا عن ساعاتِهِ، فأوقَعوا أنفسهم في حرَجٍ وضِيْقٍ.
إننا حينما نأخُذُ قواعدَ تنمية الذاتِ وتطويرِ النفْسِ بِعِلَّاتِها، ونُطَبِّقُها بحذافيرِها على واقِعِ الحياةِ، كما جاءَت، وكما صِيْغَتْ لنا، دونَ اعتبارٍ لفوارقِ الأحوالِ، يُفْضيْ بِنا ذلك إلى ضَنْكِ العَيْشِ، ونكَدِ الحياة. علوم تنمية الذاتِ علومٌ إرشادية، لا قوانينَ حتمية، يَسْتَرْشِدُ بها الإنسانُ لإدارة حياته، وفَهْمِها، وفنون التعاملِ معها.
الوقتُ أحد الأمور التي عُنِيَتْ بها علوم إدارة الذاتِ، لكنَّ تناوُلَه كان إلى إفراطٍ، وبصورةٍ بُوْلِغَ فيها، حتى صارَتْ إدارتُه قَيْدًا، قَيَّدَ الإنسانَ في قَفَصِ الوقت.
حتى نُدْرِكَ حقيقةَ الوقتِ لابُدَّ أن نعرِفَ أنَّ المقصودَ من عِمارَتِهِ حُسْنُ إدارتِهِ، لا أن يُملَأَ كلُّ جزءٍ منه بعمَلٍ، وكأنَّ صاحبَهُ يقومُ بعمليةٍ حسابيةٍ يَرْصُدُ فيها قليلَ الفئاتِ قبلَ كثيرِها، وإدارةُ الوقْتِ هيَ عِمارتُه، وعِمارتُه تكونُ بأقلِّ ما يُستفادُ فيه، مما زادَ على الضروريِّ من أمور الحياة.
إنَّ الخلل الذي وقَعَ من الناسِ في فَهْمِ الوقتِ والتعامُلِ معه هو أنهم نظروا للكبارِ، الذين عمَروا تفاصيلَ الوقتِ، وهم ما بلغوا هذه المرتبة إلا بعدما جاهدوا أنفسَهم في الزيادةِ على الأقلِّ المُجزئِ في الوقْتِ في اليوم والليلة.
من الحَسَنِ أن يكونَ لدينا قُدُواتٍ نتَبَعُ خُطاها، لكن ليسَ من الحَسَنِ أن نقفِزَ إلى أحوالِهم ونحن لم نتأهَّلْ بَعْدُ، فتلكَ القَفْزَةُ قَصْمَةٌ لظَهْرِ السير.
نعم، من الكمالِ أن نعمُرَ كلَّ تفاصيلِ الوقتِ، لكنْ بقدْرِ طاقتنا واستطاعتنا، أما أن نُجْهِدَ أنفسَنا، فلا، لأننا سنُوْرِدُها مواردَ الهَلَكَة، ويَصِح علينا حديث “المُنْبَتُّ لا أرْضًا قَطَعَ، ولا ظَهْرًا أبْقَى”.
إذن، فحتى نَفْهَم إدارة الوقتِ ينبغي أن نُراعيَ أمورًا:
الأول: المقصودُ من إدارة الوقتِ هو عِمارتُه، بما يُفيدُ، بمعنى أن تغرُبَ شَمْسُ يومٍ، ولا تطلُعُ إلا وقد حصَّلنا فائدةً، ولو واحدةً، وهذا هو الأقلُّ المُجزئُ، وبِهِ يكون الإنسانُ استفادَ من يومِهِ وليلته.
وهذا القانونُ مُعْتَبَرٌ، وله أدلةٌ في تُراثِنا الإسلامي، منها: في الحديث قال رسول الله :”قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ ، لَا تَعْجِزْ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ”. وحديث “بلغوا عني ولو آية”، ففي هذين النصَّيْن اعتبارُ الأقلَّ الذي يكون به الإجزاء، وتبرَأُ به الذمةُ.
الثاني: مراعاةُ الحالِ في إدارة الوقت، فيعرفُ الإنسانُ نفسَه وأحوالَه، فيرسُمُ وقتَه حَسْبَ ما يُناسِبُه، فلا يرسمُ وقتًا أقلَّ من أحوالِهِ، ولا وقتًا أكبرَ منه، فكلاهما فيه تعطيلٌ للنفْسِ.
الثالث: ملاحظةُ وظيفة الوقت، ووظيفةُ الوقتِ هي العملُ الذي حلَّ في اللحظةِ الآنِيَّة، وملاحظتُها تعني ترْك العملَ القائم للإتيانِ بعملِ الوقت الحاضرِ، فكثيرونَ يتركون وظيفةَ الوقتِ الحاضرةِ لأجلِ وظيفتِهِ التي من الممكنِ تأجيلُها قليلًا، ووظيفةُ الوقتِ حَسْبَ توزيعِ الأعمال هي: أهمُّ م عاجل، والوظيفة الأصلُ هي مهم / غير عاجل.
الرابع: مرونة الوقتِ أهمُّ ما فيه، فبِها يستطيع الإنسانُ تحقيقَ مقاصِدِه وأهدافه، وكثيرُ الخللِ بسببِ عدم مرونة الوقت.
الخامس: الوقتُ ليسَ بزمانِهِ، إنما هو بفائدته، فاعتَبِرِ الفائدةَ وإن كانتْ في ثُوَيْنَةٍ، ولو بَقِيْتَ طُولَ يومك وليلتك دونَ استفادة، فرُبَّ قليلٍ أنفَعُ من كثيرٍ، رُبَّ كثيرٍ أشْأَمَ الحالَ.
السادس: عِمارةُ الوقتِ ليسَ بالأمور الجادة فقط، بل الترفيهُ من عِمارتِه، حتى رُبَّما الفراغُ من دون أيِّ عمَلٍ هو جزءٌ من عِمارتِه، ومِن ثَمَّ قِيْلَ: “السكون الذي يسبِقُ العاصفة”، و “استراحةُ مُحارِب”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى