مقالاتٌ

مُسْلَسَلُ السقوط

إنه مسلسلٌ مُريبٌ، ما نراه اليوم من سقوط وهبوط في القِيَمِ والأخلاقيات، واهتزاز في الثوابت والأصول، بدأَ في أوائلِهِ من تلك الشِّرْذمة التي نادَتْ بتحكيم القرآنِ وحدَه، وبدأتْ شرارتُها من الشقيِّ صاحِبِ الضِّئْضِئِ الذي اعترَضَ على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال.
ثم توالَتْ حلَقَاتُ مُسْلسَلِ الهَدْمِ، فلمَّا قامَ سوقُ المذاهبِ التي حفِظَتْ الدينَ من عبَثِ الجاهلين تصدَّى له مَن استُعْمِلَ، وهو غافلٌ، ليكونَ مِعْوَلَ هدْمٍ لها، فنادى بالدليلِ، سعيًا لترْكِها وهَجْرِها، وتصدَّرَ للدليلِ بعلمٍ قليلٍ وفهمٍ عليلٍ، خاليْ الوِفاض من الآلة، بالي الحالِ والحالة.
فسَرَتْ بعد ذلك في جَسَدِ الناسِ سِرايةٌ أفْسَدت عليهم بقيَّةَ أمورِهم، فنظروا بعدَ المذاهبِ إلى النصوص والرموز، فلاكوا ألسنتهم في أعمدةِ الدين، فأوْضَعوا من أقدارهم بحجةِ الجِسْمِيَّة، فهم الرجالُ ونحنُ كذلك، وغابَ عنهم النظرُ إلى المعاني التي خلَوا منها فكانتْ فيهم، وهيهات أن ينالوا منها ظِلًّا زائفًا، فكانوا بها أعمدةً قامَ عليها بُنيانٌ، ودارتْ عليهم الرَّحَى، ونظروا إلى نصوصٍ بعد ذلك ليُعْمِلوا العقلَ الأرْعَنَ الأعْوَجَ فيها من خلالِ القدْحِ بالفَهْمِ، ففتحوا لأنفسهم بابًا من الفهم سقيمًا عليلًا، لا يرتفع بعلم، ولا يُنْهَضُ بحِلْم، فأخذوا في ذلك رِدْحًا من زَمنِ الضَّعَةِ بوجْهٍ من القِحَةِ، ثمَّ ولَجوا بعد العجزِ إلى القدح في النصوصِ مِن الثبوت، لينتهيَ بهم الحالُ إلى الشَكِّ في كلِّ نصٍّ مُقدَسٍ، تحت شِعاراتِ النقد، فتحولت الحربُ إلى النصِّ، ومُحاربُ النصَّ آيِلٌ إلى النقْص.
وإذ قدِ انكَشفتْ مناهجُ المَيْلِ، سُلِكَتْ مسالُكُ الإرداءِ، فدبَّتْ في الناسِ أسواءٌ قصَدَتْ قِيَمهم وآدابهم وأخلاقَهم وسلوكهم، فهُوِّنَتْ، ثمَّ أُقْصِيَتْ، فكانتْ في محلِّ سُخريةٍ، وموضِعَ هُزْءٍ، لأنها كانت تكفُلُ للمجتمعِ تكاتُفَه، فانسلَخَ الإنسانُ من هويَّتِهِ الاجتماعية بِسَلْخِهِ لهويته الفَرْدية، ليُفضي ذلك به إلى انسلاخٍ من هويَّتِهِ الكبرى، الهوية المعنوية. لينتهي به الحالُ في الحلقة الأخيرة من مُسلسلِ السقوط” إلى الانفصال عن كلِّ دينٍ شريفٍ، ليكون الإنسانُ دائنًا بدين الهوى، سالكًا مسالك الردى، باسم الـ “أنا” في عالمٍ عُبِدَ فيه العقلُ النازل.
إنَّ الإنسانَ لن يُدرِكَ ذلك، ولن تكون النهايةُ هدَفًا له، ولكنَّ هذا هو الذي سيكون، فإذا أطلقَ الإنسان لنفسه الزِّمامَ فإنها ستنفلتُ، فتلكَ المذاهبُ ليستْ إلا مناهجَ فِكْرٍ تصونُ عقلَ الإنسانٍ من سَقْطَةٍ في الفهم، وتلك المدارسُ في صَونِ النصِّ الشرعي المُقدَّس لحمايةِ حِماه من زلَّةِ الإقحامِ فيه ما ليسَ منه، أو ردِّ ما منه دونَ دِراية، إن ذلك ليسَ كبْتًا ولا تقييدًا، إنما هو صَونٌ، ولكنَّ العقلَ إذا ساءَ رأىَ كلَّ شيءٍ مَرَضًا، والقلبُ إذا فرِغَ من المعنى صارَ لكلِّ دَنِيَّةٍ مَغْنَى..
هذا المُسلسلُ المُريبُ كانت بدايته كلمة حقٍّ، ربما، استُعْملَتْ في عدَّةِ بواطل…
وصدقَ المُنوَّرُ إذْ قال: “اللا مَذهبيَّة قَنْطرَةُ اللا دِينيَّة”..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى